أوراق

vivir para contarla ..أن تعيش لتحكي ..

الأحد,نيسان 06, 2008


120751

 

 الشاعر المغربي طه عدنان في (وليَ فيها عناكبُ أخرى) أسرار الشاعر الكوني

كل المواسم تبتدئ بالشعر، وتجعل من العذوبة والأماني شركا يسقط فيه المقتربون من الضوء، ربما من بساطة هذا المشهد، جاء الشعراء .. ومن اللاصبر المتجذر في الإنسان، جاء التساقط المتتالي المعتم والمغطى بالبهارات، وجاء الإغراء الجاذب إلى تلك المدن المثيرة للرغبة، وجاء الإغواء وربما الجنون.. ألم يقل الشاعر الجنوبي محمد علي شمس الدين في "كتاب الطواف":
(لنعترف أن للجنون جاذبية.. كثيرا ما غرف منها الإبداع..) ص 261..
تلك هي الحفرة التي حفرها لي الشاعر المغربي الصديق طه عدنان، حين فاجأني بإهداء انزياحي (الأخ المبدع عبد القادر حميدة.. قال هي رؤاي أتوسد عليها.. وأهش بها على أرقي ولي فيها عناكب أخرى.. مع خالص الود.. طه عدنان.. بروكسل في 10 – 05 – 2005)..
وسنرى أن للرقم خمسة حضورا فاحتفظ به أخي القارئ.. وكانت هذه الكلمات على بياض الورقة الأولى من مجموعته الشعرية (وليَ فيها عناكبُ أخرى) الصادرة ضمن منشورات وزارة الثقافة بالمغرب سلسلة الكتاب الأول، في إطار الرباط عاصمة الثقافة العربية عام 2003.. وقد جاءت حروف عنوانها زرقاء على غلاف أسود..
فخ ما لبثت أن سقطت في شركه، وأنا أستلذ السير عبر محطاته وإليها.. غائبا.. مأخوذا.. مصدقا لهذه الكذبة الجميلة في أبريل.. التي أطلقها صديق يتلذذ بالتدفئ بما يحمله من زاد شرقي في صقيع غربي، وبالتبرد أحيانا بما قد يجلبه إلى هذا الجنوب.. الذي لا تؤثثه إلا الذكريات هناك.. فهاهو يشهر الرقم خمسة في كل العيون المبحلقة، خمسة محطات في هذه المجموعة، أصابع يد تحمل عصا هذه المجموعة.. وتهش بها.. ولها وفيها أيضا عناكب أخرى.. منها ما في (القصيدة الكونية.. مسوّدة أولى) .. وهي الأصبع الأولى:

إنما كالآخرين
تجذبني اللعبة إلى غنجها
كالآخرين
تراودني الكتابة عن يميني
و عن خدر الارتخاء فوق سرير العاشرة ص 5

أليس غريبا أن تبدأ القصائد الخمسة من الصفحة الخامسة في الكتاب؟..
إنه طه عدنان الشاعر المغربي الشاب المقيم في بروكسل وتوأم الشاعر ياسين عدنان، أيهما يعرّف الآخر، وكلاهما معرفة، وأيهما يجتذب جنية الكلمات من الآخر، لا أحد .. فلكل واحد منهما طريقته ونبرته ولحظته:

أعفو عن لحيتي و أفكاري
أترك شعري منكوشا كقصيدة نثر
أقطب جبيني مبالغة في التركيز
وأقوس حاجبي افتعالا للجدية
ها إني أبدو مهموما
وغامضا كشاعر كوني (القصيدة الكونية ص5)

من هذه اللحظة تبدأ القصائد في التتابع، كأنه هيأ نفسه لمحاورة (اليد الثالثة) بتعبير الشاعر المغربي الكبير محمد بنيس، ليترك لها الكلام والفعل والتصرف، أو كأن الشاعر ضغط جهاز العرض وتركه يعرض ما تفرضه اللحظات من مشاهد ولقطات ..
إنها المحطات الخمس التي تجلت فيما بعد (القصيدة الكونية "مسوّدة أولى" – وئيداً أحفر في جليد حيّ – I LOVE YOU -مرثية إلى أمادو ديالو– الشاشة عليكم).. إنها قصائد تغرف من تأمل طويل لهمّ كتابي أو بتعبير الشاعر محمد بنيس (دائما هذا المرافق الهامس بما يعين على السير الصحيح) "تأمل حالة كتابية شخصية لا تتنكر لمآزقها، في زمن بلا جدران." (كتابة المحو ص 7). لكن ما يبهرك حقا هو جمال التجريب الذي يقول الحرية بلغات مختلفة، إنه طرق خفيف لأبوابها، إنه الدنو من العوالم الآسرة، هناك في مكان ما، يقترب منه الشعراء دائما ..
لذة التجريب عند طه عدنان تجعلك تستعذب السير في محطات مجموعته هذه، لحظة تمرغه أمام ضوء الشاشة ليكتب قصيدة أو جزءا منها، إنها ذات اللحظة الخالدة التي عاناها كل الشعراء، فها هو جده الأكبر جرير يتمرغ في الصحراء ويتلوى في الرمضاء من أجل بيت واحد .. ولم تختلف الأمكنة كثيرا، ولم تختلف اللحظات ولا المعاناة ولا الصدق ولا الاعتراف ولا التشظي.. ولم يتغير شيء في جوهره.. وهذه القصيدة الحديثة ابنة شرعية للأولى.. من أب هو دائما ذلك الثالث الرهيب.. الذي نحسه ونراه بالعين الثالثة.. العلاقة بين الشاعر والحالة..

فلا أجد لدي من القصائد
ما يكفي لتكرير الشعر ..
تبا لخزانتي الفقيرة ..
تبا للسراب .. دفن الماء الأخير
في الريح ..
وذاب .. (القصيدة الكونية ص 09)

ولعل دائرة الإبداع عند طه عدنان ، مثله مثل شعراء قصيدة النثر.. ذات التجليات الأخاذة.. تبدأ من البسيط لتصل إليه.. لكنها تصدم القارئ بمعاني مركبة.. مثيرة لضوء المعرفة.. إنها مثلما يقول الشاعر الجزائري جان سيناك في قصيدته (ستجيئين إشارات) والتي ترجمها عن الفرنسية الكاتب محمد بوطغان ضمن مجموعة قصائد سماها (شموس يحي الوهراني) يقول:

كوني جديرة باستدارتك الرشيقة ..
حنايا فراديسنا المفقودة ..
تفكين رموز النقوش العربية ..
ستكونين بسيطة مثل الألف .. " ص 74

ألم يبدأ طه عدنان من عوالمه المحيطة به.. ووصل إليها في رحلته الشعرية.. وهاهو يلمس الأشياء أمامه بيد أخرى. وسأذكركم هنا مرة ثانية بتعبير الشاعر محمد بنيس (اليد الثالثة).. فلنقرأ طه عدنان لندرك ذلك..:

أكتب عن الشعر في الزمن الافتراضي
عن الحب في عصر الذكاء الاصطناعي
وعن مواعيدي الغريرة
في حدائق الانترنيت ..
(وئيدا أحفر في جليد حي) ص 15

إنه زمن طه عدنان، الزمن الافتراضي، حيث الحب الإلكتروني، وحيث العين الثالثة بتعبير محمد علي شمس الدين. حداثة أخرى، مغايرة، جديدة، مبشرة، مربكة، موغلة في الشيء ونقيضه، مستلهمة للعين الإلكترونية، والضوء الجديد، لنستلهم في سبيل إيضاح رؤياه مقاطع من قصيدة كتبها في نيويورك عام 2000، وعنونها بالإنجليزية ILOVE YOU

"أن تقع في أسر عنكبوت إلكتروني …" ص 26
"أن تبحر في علاقة حب إلكترونية ..
تفضي بك إلى زواج سريع .. " ص 28
" أن تقلد الشيطان في تسريحة شعره .." ص 29
" أن تحب عشيقة حمراء
بنهد نافر و بطن ضامر
تفوح منها روائح فيليب موريس" ص 30
" أن تقاوم البرد بالمزيد من الشقراوات
لا الحطب
بمزيد من البيرة اللبرالية
لا الشمس .. " ص 38

كل هذا ليس يعني سوى شيء واحد بحسب طه عدنان:

" ليس يعني سوى أنك
أصبحت عنصرا صالحا للاندماج السريع
في قبيلة العولمة" ص 39

هي أشياء لشاعر وأسراره الحميمة، أعلنها وارتاح، احتج بطريقته، وتضامن مع المضطهدين بطريقته، تسكع بطريقته، وتنسك بطريقته، لا أحد يرغم الشاعر حتى و إن تظاهر بالطاعة فالشاعر لا يطيع، يقول الشاعر الجنوبي الكبير محمد علي شمس الدين في كتابه (الطواف، سيرة مزدوجة) ما يؤكد حقائق كثيرة لم يخرج عن نطاقها طه عدنان أيضا :
".. فنوافذ الفن مفتوحة على العالم وعلى الناس (إنه مشاع بشري)، ومع ذلك لا فن بلا أسرار، في الأسرار تكمن جاذبية الفن، جوهره و هويته، أين تكمن الأسرار في الأشياء أم في الشاعر ؟ .. " ثم يجيب بعد ذلك قائلا : الأسرار في قلب الشاعر ..
بل و نكاد نجزم هنا أن الشاعرة المصرية فاطمة ناعوت قد لامست حقيقة كبيرة في مقالها عن هذه المجموعة الشعرية المنشور في أخبار الأدب العدد 560 تحت عنوان (الهجرة من دفء البشر إلى صقيع الشاشات) حين قالت :
" فماء الحياة عند الشاعر هو الحلم " ..
إنها طفولة تتمظهر في كل شيء هنا في اللفتات المختلفة، في الإشارات، في المواقف والفواصل، في الصخب، في الشيطنة أيضا إن صح التعبير، الشاعر هنا حالم كبير وطفل لم تغادره وشوشات الطفولة، ولم يخرج من بئره الأولى على رأي جبرا إبراهيم جبرا، ولا من حديقته الأولى على رأي ليانا تولستوي.. الشاعر طفل حالم.. إنها الطفولة التي لا نشفى منها أبدا.. ألم يجزم الروائي العربي الكبير محمد شكري في (الشطار) قائلا:
"كم تفرحنا و تشقينا الطفولة، لا تدوم إلا في أحلامنا .. " ص 175
والرائع في طه عدنان أنه بعد ذلك، يقلب الصفحة، ليريك ظهر هذه العولمة، إن الفنان لا يخدع ولا يمكنه أن ينبهر بذلك الضوء، إنه يغرف من زرقته ما يجلي به معالم الجمال، ثم ينقلب ليريك ما لا يمكن أن تراه إلا ( ويب كام ) الشاعر، هاهو يكتب مرثية إلى أمادو ديالو، هاهو ذا يخبرك بأسى ظاهر وببلاغة عالية:

"أهلا بك في نيويورك .." ص 40
"لا تخلع نعليك أيها الزائر ..
فالوادي غير مقدس ..
ولا تخفف الوطء ..
فلا رفات هنا ..
لا أجداد
ولا أجداث .." ص 41

ويختم الشاعر طه عدنان مجموعته بقصيدته الرائعة (الشاشة عليكم) التي كلما أقرأها تراودني جملة كتبها طه عدنان نفسه في ختام مقالة له بجريدة الحقائق اللندنية: "أخشى أن نكون قد تعولمنا"..
الشاشة عليكم قصيدة تحمل رؤيا المجموعة كلها، تعكس وجهة نظر الشاعر، و تبشر برؤيته الما بعد حداثية، لا الما تحت حداثية كما يقول الشاعر المغربي هشام فهمي، رؤيا ما لبثت أن أصبحت عدوى لم يسلم منها طبعا إلا من ابتعد عن الشاشة ولعنتها، وتركت يمينه الفأرة وحملت مكانها قلما أو عصا أو لوحت للناس مودعة عالم الفن والإبداع .. وأروع ما فيها أنها تقول الحياة كلها أمام ضوء الشاشة، إنها حياة الكهرباء، التي بشّر بها منذ عقود خلت المستشار الأمريكي بريجنسكي، والتي أصبحت واقعا لا مفر منه إلا بالحلم والشعر. لكن شعر لا تخاطب قوافيه ضوء القمر، بل ضوء الشاشة..

وداعا يا بنات الأشجار..
وداعا
ومرحى
بعالم
أكثر
رأفة
بالغابات .. (الشاشة عليكم) ص 60

  عبد القادر حميدة (طنجة الأدبية العدد 18 -ماي 2006)